عبد الرحيم اباذرى ( تعريب : عبد الحسن نجفي بهبهاني )
55
الشيخ محمد الغزالي
--> الألقاب ، بل هو بحّاثة عن الحقّ حيثما كان ومع أيّ كان . وربّما كان هذا العقل الناقد الثائر هو الذي جلب على الشيخ كثيراً من المتاعب في رفضه لآراء وأقوال يقدّسها بعض الناس ، ويضفون عليها ما يشبه العصمة ، وفي نقده إلحاد لبعض الأفكار التي يراها ضارّة بدعوة الإسلام ، سواء من داخل الساحة الإسلامية أم من خارجها . ومن العبث الذي لا يقبل شرعاً ولا عقلًا ولا عرفاً أن يطالب الشيخ بأن يتنازل عن عقله لعقل غيره ، وأن يدع ما يقتنع به من أجل اقتناع فلان وعلّان ، وأن يترك اجتهاده ليعمل باجتهاد الآخرين ، فهذا ما لا يسيغه العقل ، ولا يجيزه الدين . قيمة العقل في الدين : في بواكير ما كتب الشيخ في : « الإسلام والأوضاع الاقتصادية » نقرأ من هذه الفقرة تحت عنوان « قيمة العقل في الدين » : « إنّ حدّة الذكاء ويقظة الفكر واستنارة الرأي عناصر لابدّ منها في تكوين الإيمان الصحيح . فإنّ الإيمان معرفة بلغت حدّ اليقين وانتفت معها الريبة ، وحيث لا يوجد الإدراك الواضح والفهم الناضج يصبح اليقين غير ذي موضوع ! ولا يحسب أحد أنّنا بذلك نظلم البلهاء ، أو نغمط الحمقى حقّهم - إن صحّت لهم حقوق - بل إنّنا نستوحي هذا الحكم من نصوص القرآن الكريم نفسه . فالعقول الذكية وحدها هي التي تستطيع اختراق أسرار الكون ومعرفة آيات اللَّه في شتّى الأمكنة والأزمنة : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ [ آل عمران : 190 ] . والعقول الذكية وحدها هي التي تميّز الحقّ من الباطل ، وتعرف حقائق الوحي من نزغات الهوى وتلفيق الضلال : أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ [ الرعد : 19 ] . والعقول الذكية وحدها هي التي تستفيد من عبر الماضي ، وتنتفع بتاريخ الإنسانية الطويل وقصص الأبطال أو الأنذال من المصلحين أو من المفسدين : لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ [ يوسف : 111 ] . ولا تكون الحكمة في معالجة الأُمور والدقّة في الحكم على الأشخاص والمسائل والبصر -